شهدت بلدة إل بورخو القريبة من مالقة في جنوب إسبانيا واحدة من أكثر الوقائع الأوروبية دلالة خلال الأيام الأخيرة، بعدما فجّر السكان دمية عملاقة لبنيامين نتنياهو ضمن احتفال محلي قديم يعود إلى طقس “حرق يهوذا” في عيد الفصح، وهو طقس تختار فيه البلدة كل عام شخصية أو رمزًا تعتبره ممثلًا للشر.
الجديد هذه المرة لم يكن في الطقس نفسه، بل في الاسم الذي استقر عليه الاختيار، وفي التوقيت الذي جاء بعد شهور طويلة من المجازر في غزة، وبعد تدهور واضح في العلاقات بين مدريد وتل أبيب.
وقد أكدت رويترز أن الدمية بلغ ارتفاعها 7 أمتار، وأنها حُشيت بنحو 14 كيلوغرامًا من البارود، قبل تفجيرها يوم 5 أبريل 2026 في مشهد التقطته مقاطع كثيرة متداولة، من بينها المقطع الذي يدور على فيسبوك.
هكذا خرج الاسم من إطار الجدل الدبلوماسي إلى الشارع الأوروبي نفسه، وصار نتنياهو في نظر بلدة إسبانية رمزًا للشر الذي ينبغي التخلص منه علنًا لا الاكتفاء بإدانته بعبارات باردة.
جاءت هذه الواقعة في لحظة لم تعد تحتمل التلطف السياسي الذي يساوي بين الجلاد والضحية، لأن ما يجري في غزة منذ شهور دفع قطاعات واسعة من الرأي العام الأوروبي إلى تجاوز اللغة الرسمية التي تتحدث عن “القلق” و”خفض التصعيد” بينما تستمر آلة القتل في حصد المدنيين.
ولذلك لم يكن مشهد إل بورخو مجرد استعراض سوشيال أو نزوة بلدية صغيرة تبحث عن ضوء إعلامي، بل كان تعبيرًا مباشرًا عن انتقال الغضب الشعبي الأوروبي من دائرة التعاطف العام مع الفلسطينيين إلى دائرة التسمية السياسية الواضحة للمسؤول عن الجريمة.
وقد زادت أهمية الحادث لأن إسرائيل نفسها تعاملت معه باعتباره قضية دبلوماسية كاملة، فوبّخت أكبر دبلوماسي إسباني في تل أبيب، وهاجمت حكومة بيدرو سانشيز، ما يعني أن تل أبيب فهمت الرسالة جيدًا ولم تعتبر ما جرى مجرد طقس محلي معزول. وعندما يبلغ التوتر هذا الحد، يصبح تفجير الدمية خبرًا عن معنى سياسي أوسع، لا عن مهرجان محلي فقط.
إل بورخو تضع الاسم في موضع الاتهام
ثم بدأت أهمية الحادث من تفاصيله نفسها، لأن رئيسة بلدية إل بورخو ماريا دولوريس نارفاييث لم تنكر هوية الدمية، بل دافعت عن الاختيار باعتباره جزءًا من تقليد سنوي تختار فيه البلدة شخصية تمثل الشر في نظرها. وقد قالت لوسائل إعلام محلية، بحسب ما نقلته رويترز ومصادر أخرى، إن البلدة استخدمت في سنوات سابقة دمى لدونالد ترامب وفلاديمير بوتين، ما يعني أن الاختيار هذا العام جاء مقصودًا ومباشرًا لا نتيجة التباس أو اجتهاد خارجي.
وبعد ذلك صار الخلاف على المعنى أكثر حدة، لأن إسرائيل وصفت ما جرى بأنه “كراهية معادية للسامية”، بينما ردت البلدة بأن الطقس رسالة مناهضة للحرب لا تحريضًا ضد اليهود. هذا الاشتباك لم ينشأ من فراغ، بل من حقيقة أن دمية نتنياهو لم تُحرق في غرفة مغلقة، بل في ساحة عامة وأمام جمهور محلي وسياح، بما جعل الحدث إعلانًا شعبيًا مفتوحًا بأن الرجل الذي قاد الحرب على غزة صار عند هؤلاء تجسيدًا للشر السياسي المعاصر.
وفي هذا السياق تمنح قراءة الخبيرة الأممية فرانشيسكا ألبانيزي خلفية قانونية تفسر لماذا صار اسم نتنياهو قابلًا لهذا النوع من التجسيد الشعبي. فقد واصلت ألبانيزي خلال الأشهر الماضية توثيق الانتهاكات الإسرائيلية بوصفها أزمة حقوقية جسيمة، بينما واجهت هجومًا سياسيًا أوروبيًا وأميركيًا على مواقفها. وعندما يصل توصيف الجرائم إلى هذا المستوى من الجدية الحقوقية، فإن الشارع لا يكتفي عادة ببيانات الشجب، بل يبحث عن أشكال أكثر مباشرة لوضع المسؤول في موضع الاتهام الرمزي.
غزة تقف خلف المشهد ولو حاولت العواصم التهرب
ومن ثم لا يمكن فهم ما جرى في إل بورخو بعيدًا عن غزة نفسها، لأن الدمية لم تُفجّر بسبب خلاف ثقافي إسباني إسرائيلي قديم، بل في سياق حرب جعلت اسم نتنياهو يرتبط في وعي قطاعات واسعة من العالم بالقتل الجماعي والحصار والتجويع والتدمير.
وقد قالت رويترز في سبتمبر 2025 إن أكبر رابطة أكاديمية متخصصة في دراسات الإبادة الجماعية رأت أن المعايير القانونية اللازمة لإثبات الإبادة في غزة قد تحققت، وهو تطور نقل الجدل من مستوى التضامن السياسي إلى مستوى الاتهام القانوني الصريح.
وبعد ذلك أصبحت هذه الخلفية حاسمة في تفسير المشهد الإسباني، لأن رئيسة الرابطة ميلاني أوبراين، وهي أستاذة قانون دولي ومتخصصة في دراسات الإبادة، قالت لرويترز إن ما يجري في غزة يمثل “بيانًا حاسمًا من خبراء هذا المجال” على أن الواقع القائم هو إبادة جماعية. ولا يعني هذا أن كل من حضر تفجير الدمية قرأ القرار الأكاديمي حرفيًا، لكنه يعني أن الفضاء الأوروبي بات مشبعًا بخطاب حقوقي وقانوني جعل اسم نتنياهو مرتبطًا بجرائم موصوفة لا بمجرد “حرب مثيرة للجدل”.
كما أن الخبير في القانون الدولي سيرجي فاسيلييف قال لرويترز إن هذا التقييم القانوني صار سائدًا داخل الأوساط الأكاديمية، وخاصة في مجال دراسات الإبادة الجماعية. وهذه الملاحظة تفسر لماذا لم يعد الرأي العام الأوروبي يتعامل مع نتنياهو بصفته رئيس حكومة يخوض حربًا تقليدية، بل بصفته مسؤولًا عن مسار دموي دخل بالفعل منطقة الإدانة الأكاديمية والقانونية. ولهذا السبب لم تعد الدمية في إل بورخو حدثًا فولكلوريًا منفصلًا عن سياق أوسع.
مدريد وتل أبيب من خلاف سياسي إلى اشتباك مكشوف
ثم زادت دلالة الحادث لأن العلاقات بين إسبانيا وإسرائيل كانت أصلًا في أدنى مستوياتها قبل تفجير الدمية. فقد ذكرت رويترز أن مدريد صعّدت خلال أبريل 2026 انتقاداتها لإسرائيل والولايات المتحدة بسبب الحرب وتداعياتها في لبنان وإيران، كما أغلقت مجالها الجوي أمام الطائرات المرتبطة بالحرب، ودعت إلى تعليق اتفاق الشراكة بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل. لذلك لم يأت غضب تل أبيب من إل بورخو في فراغ، بل فوق أرضية اشتباك سياسي قائم بالفعل.
وبعد ذلك انتقل التوتر من التصريحات إلى الإجراءات، إذ أعلنت إسرائيل توبيخ أكبر دبلوماسي إسباني لديها بسبب تفجير الدمية، بينما اتهمت حكومة سانشيز بـ”التحريض المنهجي”. وفي المقابل ردت مدريد بأنها ترفض معاداة السامية وكل أشكال الكراهية والتمييز. هذا السجال كشف أن تل أبيب لم تنظر إلى الواقعة بوصفها شأناً بلدياً محدودًا، بل قرأتها كامتداد لمزاج إسباني رسمي وشعبي يزداد صدامًا معها بسبب غزة.
وفي هذا الإطار تضيف ألبانيزي بعدًا آخر إلى المشهد، لأن رويترز نقلت عنها في فبراير 2026 أنها اتهمت حكومات أوروبية بأنها لم تستخدم الحدة نفسها ضد من “ذبحوا أكثر من 20000 طفل” كما استخدمتها ضدها شخصيًا. هذه المفارقة تشرح جزءًا من الغضب الشعبي الإسباني، لأن الشارع يرى أن مؤسسات كثيرة في أوروبا ما زالت أكثر استعدادًا لمطاردة الأصوات الحقوقية من استعدادها لمطاردة المسؤولين عن القتل نفسه. وعندما تتسع هذه الفجوة، تصبح الرموز الاحتجاجية أكثر عنفًا في وضوحها.
تفجير الدمية يكشف ما تعجز عنه اللغة الرسمية
ولهذا السبب لم يكن أبرز ما في مشهد إل بورخو هو النار أو البارود أو الضجيج، بل البساطة الفادحة للفكرة التي حملها. فالبلدة قالت إن هذه الشخصية تمثل الشر في نظرها، ولم تحتج إلى بيان من 10 صفحات كي تشرح ذلك. وفي المقابل بدت حكومات أوروبية كثيرة أقل قدرة على تسمية الأشياء بأسمائها، رغم أنها تملك ما يكفي من التقارير والبيانات والشهادات والخرائط والصور. وهنا بالتحديد صار المشهد ساخرًا ومهينًا للسياسة الرسمية في الوقت نفسه.
كما أن الحادث كشف تحولًا أعمق داخل المجال العام الأوروبي، لأن الاحتجاج لم يعد محصورًا في تظاهرة تحمل أعلام فلسطين أو هتافات عامة ضد الحرب، بل صار قادرًا على إنتاج رموز اتهامية حادة تضع اسم نتنياهو نفسه في مركز المشهد. وعندما تتجرأ بلدة صغيرة على فعل ذلك بينما تتردد عواصم كبرى في مجرد استعمال لغة واضحة، فإن المفارقة تفضح حجم العجز الرسمي أكثر مما تفضح غضب الشارع.
وفي المحصلة لم تفجر إسبانيا الرسمية تمثال نتنياهو، لكن بلدة إسبانية فعلت ما عجزت عنه حكومات كثيرة، إذ وضعت الرجل في المكان الذي يراه فيه جزء متزايد من الرأي العام الأوروبي، أي في موضع المسؤول المباشر عن شر سياسي وإنساني لم يعد ممكنًا تجميله بالمصطلحات الدبلوماسية. وقد يكون هذا المشهد محليًا في صورته، لكنه كان أوسع بكثير في معناه، لأنه قال علنًا إن اسم نتنياهو خرج من خانة الجدل إلى خانة الإدانة الشعبية الصريحة.
وفي النهاية، يكشف مشهد إل بورخو أن غزة لم تعد فقط جرحًا فلسطينيًا أو عربيًا، بل صارت أيضًا محكًا أخلاقيًا وسياسيًا داخل أوروبا نفسها. ولذلك فإن تفجير دمية نتنياهو لم يكن مجرد واقعة قابلة للتداول على المنصات، بل كان خبرًا عن سقوط مزيد من الأقنعة، وعن شارع بات أسرع من حكوماته في فهم الجريمة وتسميتها. وعندما تصل الأمور إلى هذه النقطة، فإن السؤال لا يعود لماذا فجرت بلدة إسبانية الدمية، بل لماذا تأخرت بقية العواصم كل هذا الوقت عن قول ما قالته بلدة صغيرة بصوت أعلى من بيانات وزارات كاملة.

